سيد محمد طنطاوي
221
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبه حال الدنيا بسرعة تقضّيها ، مع قلة جدواها ، بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتمل ، وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة اللَّه ، فيما رزقهم من الغيث ، والنبات . . فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة ، وهوان الدنيا فقال : * ( وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ) * أي : لمن كفر باللَّه - تعالى - وفسق عن أمره . * ( ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه ورِضْوانٌ ) * أي : لمن آمن باللَّه - تعالى - واتبع ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وحافظ على أداء ما كلف به بإخلاص وحسن اقتداء . * ( ومَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) * أي : وما أحوال الحياة الدنيا وما اشتملت عليه من شهوات ، إلا متاع زائل ، لا يقدم عليه ، ولا يتشبع به إلا من خدع بزخرفه ، واغتر بمظهره . فالمراد بالغرور : الخديعة ، مصدر غره . أي : خدعه وأطمعه بالباطل . ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة إلى ما يسعدهم ، بعد أن بين لهم حال الحياة الدنيا فقال : * ( سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأَرْضِ ) * . وقوله - تعالى - * ( سابِقُوا ) * من المسابقة وهي محاولة أن يسبق الإنسان غيره . و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ رَبِّكُمْ ) * ابتدائية ، والجار والمجرور صفة المغفرة . أي : سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم ، إلى مغفرة عظيمة كائنة من ربكم . فالتعبير بقوله : * ( سابِقُوا ) * لإلهاب الحماس وحض النفوس إلى الاستجابة لما أمروا به ، حتى لكأنهم في حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى أن يسبق قرينه . وقوله : * ( وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأَرْضِ . . . ) * معطوف على المغفرة . أي : سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة عظيمة من ربكم ، وإلى جنة كريمة هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها . . كسعة السماء والأرض . وهذه الجنة قد * ( أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورُسُلِه ) * إيمانا حقا ، جعلهم لا يقصرون في أداء واجب من الواجبات التي كلفهم - سبحانه - بها . قال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه : في كون الجنة عرضها كعرض السماء والأرض وجوه : .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 65 .